أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

276

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

إثباتها ، وأو تسهيلها في أوائل البقرة . وقرأ الأعمش « وإذا قلبت ، وهي مخالفة للسواد ، كقراءة « لم يدخلوها وهم ساخطون » ، أو « وهم » طامعون » « 1 » ، على أن هذه أقرب . وقالوا » هو جواب « إِذا » والعامل فيها . قوله : ما أَغْنى . يجوز أن تكون استفهامية للتوبيخ والتقريع ، وهو الظاهر . ويجوز أن تكون نافية . وقوله : وَما كُنْتُمْ « ما » مصدرية ، لينسق مصدر على مثله ، أي : ما أغنى عنكم جمعكم ، وكونكم مستكبرين . وقرىء « تستكثرون » بثاء مثلثة ، من الكثرة . قوله : أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ . يجوز في هذه الجملة وجهان : أحدهما : أنها في محل نصب بالقول المتقدم ، أي : قالوا ما أغنى ، وقالوا : أهؤلاء الذين . والثاني : أن تكون جملة مستقلة غير داخلة في حيّز القول ، والمشار إليهم على القول الأول هم أهل الجنة والقائلون ذلك هم أهل الأعراف ، والمقول لهم : هم أهل النار ، والمعنى : وقال أهل الأعراف لأهل النار : أهؤلاء الّذين في الجنّة اليوم هم الذين كنتم تحلفون أنهم لا يدخلون الجنّة برحمة اللّه وفضله : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أي : قالوا لهم ، أو قيل لهم : ادخلوا الجنة . وأمّا على القول الثاني وهو الاستئناف فاختلف في المشار إليه ، فقيل : هم أهل الأعراف ، والقائل ذلك مالك ، يأمره اللّه بهذا القول ، والمقول لهم : هم أهل النار . وقيل : المشار إليه هم أهل الجنة ، والقائل : هم الملائكة ، والمقول لهم : أهل النار . وقيل : المشار إليهم : هم أهل الأعراف ، وهم القائلون ذلك أيضا ، والمقول لهم الكفار . وقوله : « ادْخُلُوا الْجَنَّةَ » من قولة أهل الأعراف أيضا ، أي : يرجعون فيخاطب بعضهم بعضا ، وقال ابن الأنباري : « إنّ قوله : « أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ » من كلام أصحاب الأعراف ، وقوله : « ادْخُلُوا الْجَنَّةَ » من كلام اللّه تعالى ، وذلك على إضمار قول ، أي : فقال لهم اللّه : ادخلوا ، ونظيره قوله تعالى : يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فهذا من كلام الملأ ، فَما ذا تَأْمُرُونَ « 2 » فهذا من كلام فرعون ، أي : فقال : فَما ذا تَأْمُرُونَ . فيقولون : « ادْخُلُوا الْجَنَّةَ » . وقرأ الحسن وابن سيرين « ادْخُلُوا الْجَنَّةَ » أمرا من « أدخل » ، وفيها تأويلان ، أحدهما : أن المأمور بالإدخال الملائكة ، أي : أدخلوا يا ملائكة هؤلاء ، ثم خاطب البشر بعد خطاب الملائكة ، فقال : « لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ » ، وتكون الجملة من قوله : « لا خَوْفٌ » لا محل لها من الإعراب ، لاستئنافها . والثاني : أن المأمور بذلك هم أهل الأعراف ، والتقدير : أدخلوا أنفسكم ، فحذف المفعول في الوجهين ، ومثل هذه القراءة هنا قوله تعالى : أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ « 3 » ، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى ، إلّا أن المفعول هناك مصرح به في إحدى القراءتين . والجملة من قوله : « لا خَوْفٌ » على هذا في محل نصب على الحال ، أي : أدخلوا أنفسكم غير خائفين . وقرأ عكرمة « دخلوا » ماضيا مبنيا للفاعل . وطلحة وابن وثاب والنخعي « ادْخُلُوا » من « أدخل » ماضيا مبنيا للمفعول ، وعلى الإخبار ، وعلى هاتين فالجملة المنفية في محل نصب بقول مقدر ، ذلك القول منصوب على الحال ، أي : مقولا لهم : لا خوف .

--> ( 1 ) عزاها ابن خالويه في مختصر الشواذ ( 45 ) ، لأبي الدقيس . ( 2 ) سورة الشعراء ، آية ( 35 ) . ( 3 ) سورة غافر ، آية ( 46 ) .